مؤيد الدين الجندي
654
شرح فصوص الحكم
شهود أهل الكشف والوجود - جهل أو كفر . أمّا كونها جهلا فإنّ المعبود ما في الصور من الحق ، فإنّ العبادة لا يستحقّها إلَّا الله الذي هو عين الكلّ ، وله هوية هذه الصور المعبودة في زعم أهل الحجاب . وأمّا كونها كفرا فلكونها سترا بالتعيّن على الحق المتعيّن ، ففعل ذلك به ربّ موسى من مادّته ، ليتنبّهوا على ما قد كان حذّرهم من قبل حين قالوا له : * ( يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) * « 1 » يعنى حقيقة الأمر ، إنّ العبادة مطلقة لا تكون إلَّا للربّ المطلق ، كما قال : إنّما إلهكم الله الَّذي خلق السّماوات والأرض ويعلم * ( ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) * « 2 » والإله المجعول ليس له الخلق ، فلا يستحقّ عبادة المخلوق إيّاه ، ولا علم له بما تبدون وما تكتمون ، ولعلمه صلَّى الله عليه بجهلهم بمثل هذا توجّه العتب على هارون ، فإنّه في تربيته قولا وفعلا ، ليعلمه من حيث ولايته ونبوّته مشعرا بذلك حالتئذ ، أو لم يشعرا إلَّا بعد وقوع ما وقع ، وليعلمه بما هو الأمر عليه عند الله كذلك ، فلمّا نبّه هارون الحقيقة المذكورة ، وتحقّق هو بذلك وبما وقع منه ، أعرض عن قومه - بعد ما أراهم وأعلمهم بخطئهم - إلى السامريّ ، فلم يعتبهم ، وذلك أبلغ في الغرض . قال - رضي الله عنه - : « ولذلك لمّا قال هارون ما قال ، رجع إلى السامري فقال له : * ( فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ) * « 3 » يعني فيما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على التعيين « 4 » ، وصنعك هذا الشبح من حليّ القوم حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم ، فإنّ عيسى يقول لبني إسرائيل : « يا بني إسرائيل ! قلب كلّ إنسان حيث ماله ، فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء » وما سمّي المال مالا إلَّا لكونه بالذات ، تميل [ القلوب ] إليه بالعبادة ، فهو المقصود الأعظم المعظم « 5 » في القلوب ، لما فيها من
--> « 1 » الأعراف ( 7 ) الآية 138 . « 2 » تلفيق من الآيات . « 3 » طه ( 20 ) الآية 95 . « 4 » في بعض النسخ : على الاختصاص . « 5 » يجوز من الإفعال والتفعيل كليهما .